الصالحي الشامي

395

سبل الهدى والرشاد

قال أبو إبراهيم التجيبي واجب على كل مسلم متى ذكره ، أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ، ويتوقر ويسكن من حركته ، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ نفسه لو كان بين يديه ، ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به . وهذه كانت سيرة السلف الصالح في الأئمة الماضين . وروى القاضي - بسند جيد - عن ابن حميد قال : ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال مالك : يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله عز وجل أدب قوما فقال : ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي [ الحجرات : 2 ] الآية . ومدح قوما فقال : ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ) [ الحجرات : 3 ] الآية . وذم قوما فقال : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) [ الحجرات : 4 ] وإن حرمته ميتا كحرمته حيا ، فاستكان لها أبو جعفر وقال : يا أبا عبد الله ، أأستقبل القبلة وأدعوا ؟ أم أستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه ، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم - عليه السلام - إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به ، فيشفعك الله ، قال الله تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) . وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى : كان أيوب السختياني إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى حتى أرحمه . وقال مصعب بن عبد الله : كان مالك إذا ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتغير لونه ، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه ، فقيل له يوما في ذلك فقال : لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون ، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه ، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي - صلى الله عليه وسلم - اصفر ، ما رأيته يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على طهارة . ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فننظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم ، وقد جف لسانه في فمه ، هيبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير ، فإذا ذكر عنده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع .